عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

273

اللباب في علوم الكتاب

أحدها : أنّه واسع الفضل ، والرّزق ، والرّحمة ، وسعت رحمته كلّ شيء ، والتّقدير : أنتم طعنتم في طالوت ، لكونه فقيرا ، فاللّه تعالى واسع الفضل ، يفتح عليه أبواب الرّزق ، والسّعة ، كما في المال ؛ لأنه فوّض إليه الملك ، والملك لا يتمشّى إلّا بالمال . والثاني ، والثالث : ما تقدّم في الإعراب آنفا من كونه بمعنى : « موسع » وذو سعة ، والعليم العالم وقيل : العالم بما كان ، والعليم بما يكون . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 248 ] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 248 ) اعلم أنّه لما أخبرهم نبيهم : بأنّ اللّه تعالى ، بعث لهم طالوت ملكا ، وأبطل حجّتهم قالوا : « فما آية ملكه » ؟ قال : « أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ » . قوله تعالى : « أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ » : « أن » ، وما في حيّزها في محلّ رفع خبر ل « إنّ » تقديره : إنّ علامة ملكه إيتاؤكم التّابوت . وفي « التّابوت » ، قولان : أحدهما : أنه فاعول ، ولا يعرف له اشتقاق ، ومنع قائل هذا أن يكون وزنه فعلوتا مشتقا من تاب يتوب كملكوت من الملك ورهبوت من الرّهب ، قال : لأنّ المعنى لا يساعد على ذلك . الثاني : أن وزنه فعلوت كملكوت ، وجعله مشتقا من التّوب وهو الرّجوع ، وجعل معناه صحيحا فيه ، لأنّ التّابوت هو الصّندوق الذي توضع فيه الأشياء ، فيرجع إليه صاحبه عند احتياجه إليه ، فقد جعلنا فيه معنى الرجوع . والمشهور أن يوقف على تائه بتاء من غير إبدالها هاء ؛ لأنّها : إمّا أصل إن كان وزنه فاعولا ، وإمّا زائدة لغير التّأنيث كملكوت ، ومنهم من يقلبها هاء ، وقد قرئ بها شاذّا ، قرأها أبيّ « 1 » ، وزيد بن ثابت ، وهي لغة الأنصار ، ويحكى أنهم لمّا كتبوا المصاحف زمن عثمان - رضي اللّه عنه - اختلفوا فيه فقال زيد : « بالهاء » ، وقال : [ أبيّ : ] « بالتّاء » ، فجاءوا عثمان فقال : « اكتبوه على لغة قريش » يعني بالتّاء .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 326 ) والحاكم ( 2 / 460 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 562 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وأبي عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق أبي الأحوص عن علي بن أبي طالب . وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وأخرجه الطبري ( 5 / 327 ) من طريق خالد بن عرعرة عن علي وأخرجه الطبري أيضا ( 5 / 326 ) وسفيان بن عيينة كما في « الدر المنثور » ( 1 / 562 ) من طريق سلمة بن كهيل عن علي بن أبي طالب .